الكولونيل بيريو.. تقارير وتسجيلات مهندس قرارات المارشال ليوطي ورجل مخابراته/ حاتم قسيمي: بيريو، كان أمينا على حياة العائلة الملكية
الكولونيل بيريو.. تقارير وتسجيلات مهندس قرارات المارشال ليوطي ورجل مخابراته/ حاتم قسيمي: بيريو، كان أمينا على حياة العائلة الملكية
حاتم قسيمي: "بيريو شكل جدارا أمنيا لحماية أفرادها من تيارات سياسية كانت تضع يدها على كل شئ
كان يتجسس على العائلة الملكية ويرصد خطواتها، ويتعقب اتصالات أفرادها ويراقب كل الأشخاص المحيطين بهم
أسرار لقاءاته بالمارشال ليوطي وديغول وكيف كان يقوم بكل ما يغيظ الشرطة الفرنسية ويدفعها إلى الغضب
هو أخطر من الكل، ولايعرفه أحد. وهذا سر قوة رجال أمثاله. كان يتجسس على العائلة الملكية ويرصد خطواتها، ويتعقب اتصالات أفرادها.. ويراقب كل الأشخاص المحيطين بهم..
أقوى من ديغول، بل أقوى من الماريشال ليوطي، الذي أبكاه ووصفه بعينه.
الكولونيل بيريو.. صاحب التقارير والتسجيلات التي تهم العائلة الملكية في عهد الحماية.. ومهندس قرارات المارشال ليوطي ورجل مخابراته. كان مسؤولاً عن القسم السياسي والإداري والاستخباراتي في الإقامة العامة الفرنسية بالرباط خلال فترة الحماية على المغرب. ليلة وفاة بيريو، قال ليوطي: فقدت عين المخابرات التي كنت أنظر بها في المغرب.
حاتم قسيمي ينشر تقارير بيريو عن الحسن الثاني والعائلة الملكية نقلا عن الاستعلامات الفرنسية.
المخابرات الفرنسية في عهد المارشال ليوتي، الذي حكم المغرب كأول مقيم عام (1912-1925)، ركزت على جمع المعلومات الاستخباراتية والسياسية عن المجتمع المغربي لمواجهة المقاومة، مستخدمة شبكة قوية من العملاء والمحللين (مثل الكولونيل بيريو الذي كان مسؤولاً عن القسم السياسي والاستخباراتي) لفهم العادات والتقاليد، ودمجت بين العمل الاستخباراتي العسكري والسياسي لفرض الحماية وتثبيت الوجود الفرنسي، معتمدين سياسة "التهدئة" الممزوجة بالتعاون مع النخب المحلية، وهو ما تطلب ذكاءً استخباراتيًا لفهم خصوصيات المغرب وتجنب الصدام المباشر إلا عند الضرورة.
واهتمت أيضا بالعائلة الملكية، وبولي العهد مولاي الحسن.
+++++++++++++++++++++
في إرسالية لمديرية الداخلية في 5 فبراير 1952: اعترف مولاي الحسن بكل الأخطاء في سياقة سيارته الكادياك في النقطة الكيلومترية 69 من طريق الرباط البيضاء، وبعد كتابة المحضر من طرف شرطيين قال لهما: أعترف بكل ما ارتكبته من مخالفات، لكن الدولة هي والدي.
وتقول التقارير: "كان يقوم بكل ما يغيظ الشرطة الفرنسية ويدفعها إلى الغضب عمدا. وكلما زاد سنه زاد استفزازه للشرطة الاستعمارية" وأنه "في الوقت الذي كان ابن السلطان يخضع للأسئلة الشفوية، كان شخص يدعى وينتير، وعمره 20 سنة، يتجول في الجزء المخصص للعموم في القاعة وهو يردد بصوت عال "لن يجيب، لكنه سينجح مع ذلك".
++++++++++++
لا تتوفر الاستعلامات العامة على تفاصيل الحياة الصغيرة لولي العهد. ويبدو أن الاهتمام بدأ معه، انطلاقا من سن السادسة عشر من العمر.
على الأقل ذلك ما تبين من محاولات التاريخ المخابراتي لسيرة ولي عهد المغرب في الفترة الاستعمارية..
ويظهر أيضا أن جزءا من الأوصاف والتقديرات تعود إلى تقارير استعلاماتية، منها كتاب سلطان في مدغشقر، لصاحبه فرديريك غران. ومنها ما أظهر في كتب أخرى.
الكولونيل بيريو.. يوم قال ليوطي يوم فقدت عين المخابرات التي كنت أنظر بها في المغرب
يشير تقرير: "كان الضباط العسكريون -الذين يشتغلون إلى جانب ليوطي- مقتنعين تماما بأفكاره ويجتهدون في تطبيقها، ومن أبرزهم الكولونيل بيريو أحد الضباط المخلصين لليوطي إلى درجة اعتباره الأب الروحي سياسيا وإداريا وأمنيا. وقد شغل بيريو منصب المسؤول عن القسم السياسي والإداري والمخابراتي بالمغرب منذ سنة 1912، وتوفي بسبب نزلة برد حادة سنة 1918، ومما قال في حقه ليوطي "كان الكثيرون يتقنون إما تمحيص الملفات أو حسن تأويل المعطيات أو معرفة دقيقة باللغات المحلية والأدبية (وهذه كلها أمور مجتمعة فيه)، لكن ولا واحد منهم، امتلك تلك القدرة على التفهم العاشق للجنس المغاربي. ولأن الناس أحست ذلك الشغف وذلك الحب، فإنها، هنا، بالشمال الأفريقي، لم تتردد في أن تبادله ذات الإحساس بصدق، فالجميع من القادة إلى "الكوم" في الجزائر، ومن السلطان مولاي يوسف إلى أعضاء المخزن هنا بالمغرب، وصولا إلى أبسط الناس الذين كان بعضهم يبكي بحرقة على جثته، كلهم كانوا يرون فيه صديقا ولهم فيه ثقة عمياء".
تعكس شهادة ليوطي في حق ضابطه بيريو قناعته بكون السياسة الأهلية لإدارة الحماية ليست مجرد طريقة لإدارة المستعمرات، بقدر ما هي قناعات تفرضها طبيعة المجتمع المحلي ومدى تجذر قيمه وتقاليده، ولا يمكن لقائد استعماري أن يكون ناجحا دون أن يتبنى هذه القناعات، لذلك كان ليوطي واضحا بخصوص سياسته التي سيتبناها في المغرب، حيث قال في إحدى المناسبات "لقد عدت من باريس باليقين الواضح، المعبر عنه من قبل جهات نافذة، أنه لا يمكن المس بها أو مناقشتها، فنظام الحماية ليس مسألة رأي، لا شخصي ولا محلي ولا فرنسي. إنها واقع تحدده مواثيق واتفاقيات وهي مضمونة من قبل مواثيق دولية لا سلطة لأي واحد منا أو للحكومة لتعديلها، والنتيجة هي أن المغرب دولة مستقلة تحميها فرنسا وأنه تحت سلطة السلطان بنظامه الخاص، ومن الشروط الأولى لولايتي، هي أن أضمن وحدة نظامه السياسي واحترامه".
الكولونيل بيريو (Colonel Perreau) هو شخصية تاريخية فرنسية كان مسؤولاً عن القسم السياسي والإداري والاستخباراتي في الإقامة العامة الفرنسية بالرباط خلال فترة الحماية على المغرب، وكان مساعداً مقرباً للماريشال ليوطي ويُعتبر الأب الروحي للمغرب الحديث سياسياً وإدارياً وأمنياً بعد عام 1912، وتوفي في سن مبكرة نسبياً (عمره 47 عاماً).
الكولونيل بيريو عمل في الإقامة العامة الجديدة بالرباط. وكان المسؤول الأول عن الشؤون السياسية والإدارية والمخابراتية، وكان ينوب عن ليوطي في غيابه.
لعب دوراً محورياً في إعادة تنظيم الدولة المغربية وتأسيس الهياكل الإدارية والأمنية للدولة الحديثة بالمغرب. وكان أقرب مساعدي الماريشال ليوطي وشخصاً موثوقاً به. والكولونيل بيريو شخصية فرنسية مؤثرة في تاريخ المغرب الحديث خلال فترة الحماية، حيث كان مهندس العديد من المسارات السياسية والإدارية الهامة في البلاد.
مذكرات الماريشال ليوطي عن المغرب..
يوم فقدت عين المخابرات التي كنت أنظر بها في المغرب
في يونيو 2017، نشرت يومية "الاتحاد الاشتراكي، ترجمة مذكرات الماريشال ليوطي، الخاصة بمهامه في المغرب. بعد أن ترجمت منذ سنتين أجزاء كبيرة منها ممتدة بين سنوات 1912 و1917. وهي مذكرات هامة جدا، كونها تعنينا كمغاربة، كونها تقدم لنا معلومات دقيقة عن كيف تشكل المغرب الحديث بعد احتلال فرنسا وإسبانيا لبلادنا، إثر توقيع معاهدة الحماية يوم 30 مارس 1912، والتي مرت عليها الآن 105 من السنوات. وأهمية هذه المذكرات، كامنة، ليس فقط في كونها وثيقة تاريخية، بل أيضا في كونها كتبت من قبل صانع قرار، لم يكن عاديا قط في تاريخ المغرب الحديث، أثناء وبعد صدمة الإستعمار، الماريشال هوبير ليوطي، أول مقيم عام لفرنسا بالمغرب.
لقد جاء إلى المغرب بعد سنوات قضاها في مدغشقر ثم بالجنوب الغربي للجزائر عند منطقة بشار، وبعدها بمدينة وهران بالجزائر، ليمارس مهام المقيم العام بالرباط ل 14 سنة كاملة. وهي أطول فترة قضاها مقيم عام فرنسي بالمغرب. ليس هذا فقط، بل أهميتها التاريخية أنها كانت مرحلة تأسيسية لشكل الإستعمار الفرنسي في إمبراطورية كان لها منطقها الدولتي في التاريخ، في كل الشمال الغربي لإفريقيا، هي الإمبراطورية الشريفية المغربية. وأن كل أساسات الدولة الحديثة المغربية قد وضعت في تلك المرحلة، على مستوى إعداد التراب، أو التنظيم المالي، أو القضاء، أو التعليم أو الفلاحة أو المحافظة العقارية أو الجمارك. ومن خلال ما دونه في مذكراته نتتبع بدقة كيف ولدت كل تلك الترسانة التنظيمية للدولة المغربية الحديثة، بلغة صاحبها التي لا تتردد في وصف ذلك ب «العمل الإستعماري»، المغلف بالدور الحضاري. وهي شهادة فيها الكثير من جوانب الجرأة الأدبية التي تستحق الإحترام. ثم الأساسي، أنه كرجل سياسة كتب شهادته وأرخ للأحداث عبر مذكراته الخاصة، من وجهة نظره، ولم يلد بالصمت، بل كان له حس تأريخي، يتأسس على إدراكه أنه يسجل كلمته للتاريخ.
لقد صدرت هذه المذكرات أول ما صدرت سنة 1927، أي سنة واحدة بعد مغادرته المغرب (بقي مقيما عاما بالمغرب من 1912 إلى 1926). ثم أعيد نشرها سنة 1944.
في المغرب بعد الحرب (1918- 1925)
الرباط: 19 دجنبر 1918.. توفي بالرباط، أسابيع قليلة بعد الهدنة، يوم 16 دجنبر 1918، "الكولونيل بيريو"، مدير مصلحة الإستخبارات وشؤون الأهالي، بسبب نزلة برد حادة، أصيب بها جراء تجواله الكثير في مختلف مناطق المغرب، كانت آخرها بمنطقة الغرب.
خلال مهامي الإفريقية، كان لي خلال 15 سنة السابقة (على المغرب)، بعين الصفرا (بالجزائر) ابتداء من فاتح أكتوبر 1903، أربعة مساعدين من الضباط الحميمين. أولهم، "هنري" الذي كان حينها قائد سرب للطيران الحربي، وأول قائد عام للقوات بعين الصفرا. ثانيهم، "بويميرو" نقيب الرماة، الذي سيصبح ابتداء من سنة 1905، ضابطي الخاص المناوب. ثالثهم، "بيريو"، الذي التقيته في اليوم الموالي لوصولي، ملازما مكلفا بمكتب شؤون الأهالي بمنطقة بني ونيف قبالة فكيك. أخيرا رابعهم، "ديلماس"، الملحق منذ 1903، بالقيادة العسكرية العامة بوهران، بصفته ملازما بفيلق الرماة، والذي جاء في مهمة لأسابيع بعين الصفرا، بعد تحملي مسؤولية قيادتها، والذي وجدته ثلاث سنوات بعد ذلك، حين عينت قائدا لمنطقة وهران العسكرية، وقد رقي إلى رتبة نقيب، والذي عينته الضابط الأقرب لي بالقيادة العامة بها.
لقد تدرجوا، أربعتهم، في رتبهم العسكرية وهم يعملون تحت إمرتي. هنري وبويميرو، الذين بلغوا رتبة جنرال، بينما بلغ كل من بيريو وديلماس رتبة كولونيل. كنا نتبادل بيننا جميعنا الأفكار والرؤى، مما جعل تحليلنا يواشج بين رؤانا. وكنا نعتقد أن لاشئ سيفرق بيننا أبدا. وكنت أخطط لتحقيق مهامنا بشكل مشترك، وأن أحرص على تشجيعهم على أن ندون ذلك جميعنا، لما فيه توثيق لأعمالنا المشتركة، استعدادا لتاريخ تقاعدنا، الذي كنت الأول فيهم على اللائحة، كوني كنت أكبرهم سنا جميعهم بكثير.
لكن، وأسفاه، كلهم غادروني في الطريق.
الجنرال هنري، الذي في سنة 1916، سيذهب للإلتحاق بجبهة القتال بفرنسا، والتي اشتهر فيها بأعماله في شرق فرنسا وببولونيا، مما منعه من الإلتحاق بالمغرب. فيما الكولونيل بيريو والكولونيل ديلماس والجنرال بويميرو، قد اختطفهم الموت تباعا بين 1918 و1921 و1924، وهم في كامل قواهم الجسدية، وكان وعد عطائهم للمغرب ولفرنسا لا يزال أمامهم.
إن فقدان، هؤلاء الرفاق، الذين كان التعاون معهم، قد بلغ درجة متقدمة من الحميمية، ما جعلنا ما عدنا نكتفي سوى بالنظر إلى بعضنا البعض ليفهم كل منا صاحبه. إن فقدانهم، قد أصابني في مقتل فعلا. وكنت أستشعر فداحة غيابهم، في لحظات اتخاد قرارات مصيرية، حيث تواجدهم سيكون فارقا بالنسبة لي.
لقد كان الكولونيل بيريو أول من توفي منهم، ثمانية أيام فقط بعد إصابته بنزلة برد حادة، مصحوبة بحرارة جد مرتفعة. والذي ألقيت كلمة تأبينية ثلاثة أيام بعد وفاته:
"إنني ما أزال أتساءل، إن كانت لي القدرة لتناول الكلمة. لأن أخا لا يتكلم عند قبر أخيه، وقوة علاقتي ب "بيريو" جعلتنا موحدين إلى درجة الصداقة الأخوية. لكن، هناك الواجب، الذي هو فوق حالتي النفسية والعاطفية. واجب القائد إزاء من خدمني بأقصى درجات الوفاء والتواضع واللين، على القدر نفسه الذي خدم فيه بلده. وواجبي يفرض علي أن أخصه بهذه الشهادة الأخيرة.
اعذروني إن كنت لن أسرد أمامكم ورقة مساره العسكري، كما جرت العادة بذلك في مواقف مماثلة، والتي تستعرض مراحل ذلك المسار. لأنها مكتوبة سطرا سطرا، وورقة ورقة، فوق تراب إفريقيا، وكلكم تعرفونها. واسمحوا لقلبي وفؤادي فقط أن يبوح بمكنونه.
كم كنا نستحضر أنا وإياه، تلك الليلة الخالدة ليوم 2 أكتوبر 1903. كنت مبعوثا من فرنسا إلى الجنوب الوهراني (بالجزائر)، بعد أحداث "تاغيث" و "موكار". كنت قد وصلت إلى عين الصفرا يوم فاتح أكتوبر. وفي الغد، توجهت مباشرة إلى مركز بني ونيف قبالة مدينة فكيك المغربية، التي لم نحتلها بعد. هناك التقيت بالملازم بيريو، بصفته رئيسا لقسم الإستعلامات والمخابرات. لم يسبق لنا أن التقينا أبدا، تبادلنا أطراف الحديث وسرى بيننا دبيب تواصل سري. بعدها في الليل، كانت المعلومات حول مشاكل السياسة الأهلية، التي فتحت الباب لأول لقاء لنا مع المغرب، والتي ستفتح لنا بابه في ما بعد.
كنا قد خرجنا في جولة ليلية، حتى نجد راحتنا في الكلام، تحت ضوء القمر، بين امتداد نخيل واحة بني ونيف. وما زلت أرى قفزته انتباها، وقد أخدنا الحديث حول مهامنا التي تنتظرنا، أننا تجاوزنا المنطقة الآمنة بكثير أثناء تجوالنا، فأعادني بسرعة إلى أقرب مركز أمني، ثم عدنا. لكن شعلة التواصل قد اشتعلت بين أفكارنا وروحينا إلى الأبد.
لقد مرت على ذلك اللقاء الآن، 15 سنة كاملة. ومن حينها ظل التعاون بيننا حميميا، كاملا، منسقا وصلبا، مطوقا بعاطفة صادقة لاشئ يقطع وصالها.
الكولونيل بيريو، أقرب مساعدي الماريشال ليوطي بالمغرب. كونه رجل تقثه الذي هندس المسار السياسي الذي سيعاد من خلاله إعادة تنظيم الدولة المغربية. ولا يتردد البعض في وصفه، بأنه الأب الروحي، سياسيا وإداريا وأمنيا، للمغرب الحديث بعد 1912. هو من مواليد 1871، بالتالي فقد توفي وهو في 47 من عمره. ولقد عينه ليوطي منذ بداية احتلال المغرب سنة 1912، المسؤول الأول عن القسم السياسي والإداري والمخابراتي، بالإقامة العامة الجديدة بالرباط. كان ينوب عن ليوطي بالرباط، كلما سافر هذا الأخير خراج المغرب أو إلى مختلف نقط المواجهة بالجغرافيات المغربية.
(2) تاغيث، هي منطقة صحراوية قريبة من منطقة توات، وكانت جزء من الأراضي المغربية التي اقتطعتها فرنسا من المغرب سنة 1900، ووقعت بها مواجهات عنيفة دامت 4 أيام في شهر شتنبر 1903، خسر فيها الفرنسيون عددا مهما من جنودهم. بينما موكار، هي منطقة صحراوية أخرى تقع جنوب وهران بالجزائر، ولقد وقعت فيها مواجهات عنيفة بين القوات الفرنسية ومقاتلين أمازيغ يوم 2 شتنبر 1903، انتهت بمقتل قادة تلك الفرقة الفرنسية و36 جنديا آخر.
الرباط: 19 دجنبر 1918
يواصل مترجم مذكرات ليوطي: (الكاتب: إعداد: لحسن العسبي بتاريخ: 12/06/2017)
ما كان يثير عند "بوريو"، وهو لما يزل ضابطا شابا، هو نضجه العالي، قوته الإدارية وتوازنه النفسي. ولقد كانت له ميزتان كبيرتان: عشقه الصوفي لمهنته، ثم تقدير ذكاء الأهالي. كانت الجندية في دمه. وكان يكفي للتأكد من ذلك، من مشاهدته وهو يقود فرقته العسكرية بالصحراء بمنطقة "الكير"، أو وهو يقود فرقة "الكوم" بمنطقة الشاوية (بالجزائر)، بصرامة القائد، بعينين يقظتين، بأوامر مختصرة، وكيف أن جنده ينصاعون له في انضباط.
كانت له قدرة على التواصل مع الأهالي، لم أجدها عند أي أحد غيره، وهي السلاسة ما يجعل الأمر مبهرا. لقد قرأت مرة أنه "ليس هناك عمل إنساني يمكن أن يكون بالفعل عظيما، بدون قدر من الحب والشغف". ولقد كان هو يتوفر على ذلك القدر من الحب والشغف، ما مكنه من إنجاز عمله الجبار (وهو جبار فعلا)، بالشكل الذي جعله أفضل، إن لم يكن الوحيد، ممن نجحوا في تحقيق تدبير سياسي للمجموعة الإسلامية بكفاءة، بيننا، في كل الشمال الإفريقي.
لقد كان الكثيرون يتقنون، إما تمحيص الملفات، أو حسن تأويل المعطيات، أو معرفة دقيقة باللغة المحلية والأدبية (وهذه أمور كلها مجتمعة فيه)، لكن ولا واحد منهم، امتلك تلك القدرة على التفهم العاشق للجنس المغاربي. ولأن الناس أحست ذلك الشغف وذلك الحب، فإنها، هنا، بالشمال الإفريقي، لم تتردد في أن تبادله ذات الإحساس بصدق.
فالجميع، من القياد إلى "الكوم" بالجزائر، ومن السلطان مولاي يوسف إلى أعضاء المخزن، هنا بالمغرب، وصولا حتى إلى أبسط الناس، الذين كان بعضهم يبكي بحرقة عند جتثه. فكلهم كانوا يرون فيه صديقا ولهم فيه ثقة عمياء.
إنني سأبوح بذلك، سأراه بوجهه الصلب، يصيخ بالسمع إلى نبض هذا الشعب المغربي، القلق من المستقبل، ومن المرحلة الإنتقالية التي يجتازها، بكل مشاكلها التي تنفتح أمامه. بينما هو صبور، منصت إلى ذلك النبض، ويجوس على الجسد مثل كل طبيب يدرك فن التشخيص الدقيق للحالة. ولأنه كان ممتلكا لهذه الملكة، فقد كان أداة الربط الحاسمة والفعالة بين هذا الشعب المغربي ونحن. وأنه كان حجز الزاوية الحاسمة في سياسة الحماية بالمغرب.
إن السر كامن، في ما ظل يحمله للأهالي من تقدير صادق، إلى الحد الذي يجعلك تعتقد أنه من نفس جنسهم. وكانت له المعرفة الدقيقة والحداثية والعملية حول طرق تحقيق تطور هذا الشعب. وإذا كنا نضجر من قدم وتهافت مقاربة بعض المتخصصين في دراسة الأهالي، الذين لا يدركون أن الأرض تدور، فإنهم انتهوا إلى أن يكونوا أكثر عثاقة من الأهالي، بدعوى محاولة التقرب منهم. فينتهون إلى تحنيطهم في صورة نمطية جاهزة وميتة. وآه، كم كان "بويرو" بعيدا عن هذا النوع من الباحثين. وكل من اشتغلوا إلى جانبه هنا، في مجالسنا، يتذكرون الروح التي كان يصدر عنها. وكيفية نجاحه في فتح الأراضي أمام الإستعمار، وفي نسج العلاقة بين الأهالي والأروبيين، وأن يشركهم في الشأن العام، وأن يدمجهم ضمن قيم نظامنا التعليمي. فكان يسبق بمسافات القرارات المتسرعة، من حيث أنه هو المدرك لطبيعة ذهنية الأهالي، قد كان ينجح دوما في أن يحملهم على الإندماج في لحظة الإنتقال والتعايش معها بيسر. وتكون النتيجة، أن لا أحد يتملكه منطق الشك أو الخوف أو التردد.
كم ناقشته، وكم قضيت معه من الساعات، وأنا أصيخ السمع إليه، بإعجاب لشخصه ونباهته. فهو لم يكن يقبل أن لا تكون هذه البلاد التي هرقنا دمنا واستثمرنا مالنا فيها، بالنسبة لنا فضاء للتقدم إلى الأمام، وخزانا للثروات جد مخصب ومفيد لنا. في الآن نفسه، الذي لم يكن يقبل أن يستشعر هذا الشعب (المغربي)، الذي قدم الكثير من علامات الولاء والإنضباط، والذي يتميز بقدرة هائلة على البدل والعمل والعطاء، أنه مستغل وغير مستفيد من تلك الثروات. الأمر هنا، أكبر من مجرد سياسة للحماية، إنها مشروع لروح سياسية واجتماعية معززة برؤية أخلاقية سامية، تلك التي تحترم حقوق الشعوب، التي نحن اليوم نرفع لواءها عبر العالم (بعد الحرب).
لقد قدم "بوريو" أعظم نماذج التضحية. فحين اندلعت الحرب (العالمية الأولى)، لم يثقل علي بأي طلب. وكان بيننا ما يشبه العهد الضمني، حيث نظراتنا تكفي لنفهم ما يدور في خلد كل واحد منا. لقد أدرك أن مكانه في الحرب هي هنا بالمغرب، وليست في مكان آخر. وكان يدرك أنه لو قال لي: "لم أعد أحتمل، علي السفر إلى هناك"، كنت سأجيبه: "إذهب إذن". بالتالي فهو لم يطلب ذلك مني قط، لأنه كان موقنا أن دوره العسكري هنا. وأنا من جهتي لم ألزمه قط بشئ، لأنني كنت موقنا أن حاجتنا إليه بالمغرب حيوية.
فهنا، كان ينجز مهمته كاملة. مهمته المزدوجة، لتثبيت الحالة السياسية والعسكرية بهذا البلد، ويقدم المثال لضباطه في المخابرات، أي تلك الفرقة من النخبة، التي هي الوحيدة التي أعضاؤها لم يذهبوا إلى فرنسا أثناء الحرب، لأن مهمتهم هنا بالمغرب، كانت حاسمة ومركزية وفعالة.آه، لقد أنجز مهتمه العسكرية بتفان حيثما كان، حتى النهاية.
منذ شهرين، وقد بدأت تظهر عليه علامات المرض، ورغم مصاعب الطريق بمنطقة الغرب، كان يرافق الكولونيل "بيلليغران"، في مهمة حماية القبائل التابعة لنا وكذا مجالات إنتاجنا الفرنسية. ومنذ أسبوعين، حين رافقني إلى مراكش، وكنت ألمح مدى ألمه والتعب آخد منه جسديا، فإنه كان ملزما بالحضور بسبب مسؤولياته إلى جانبي لمواساة عائلات بعض الضحايا. لقد وهب نفسه لواجبه العسكري حتى آخر رمق. آه، كيف أنسى ليلة أمس الأول، وقد أنهى كل واجباته أمام ربه وأمام الله، وفي وعيه الكامل، أنه أنجز مهامه أمام رفاقه وأهله، استقبل زوجته التي نحيطها بكل رعايتنا هنا، حرص على أن يكمل واجبه العسكري، رغم الهذيان الذي بدأ يشتد عليه. ولن أنسى كيف أخد بيدي، وعينه في عيني، في الثانية صباحا من ليلة أمس الأول، ولا يزال رنين صوته عالقا بأذني، كي يهمس لي، بذات ما يقلقنا عسكريا، قائلا: "سيدي الجنرال، لقد أبرقت البارحة وقمت بمكالمة اليوم، لا تجزعوا فقد قمت باللازم". نعم، لقد قام بما عليه القيام به، هذا العزيز "بوريو"، لقد قام بذلك طوال حياته.
لقد قام بكل ما يتوجب عليه القيام به، حتى تلك الدقيقة الأخيرة وهو يعانق الموت، حيث كانت فكرة خدمة وطنه هي الغالبة لديه.
ليرقد بسلام، في تربة إفريقيا هذه، التي كم عشقها وأحبها".
يؤكد الصحافي حاتم قسيمي، "أن الكولونيل بيريو، كان أمينا على حياة العائلة الملكية، وقد شكل جدارا أمنيا لحماية أفرادها من بطش قوى سياسية كانت تمتلك السلطة والمال ومقاعد السياسة والحكم، وتعتبر المغرب "لها لا لغيرها"، في مرحلة الاستقلال وقبله. بل إن السلطان طالب بيريو بمراقبة والتنصت على ولي العهد لحمايته".
حاتم قسيمي
مهتم بعلم الاستخبارات والجاسوسية







