عبد الله الستوكي (قيدوم الصحافيين) في آخر خروج إعلامي جرئ ونادر قبل وفاته: كان الحسن الثاني ضد الكاركاتير وما دام الملك هو منفذ السياسات فمن حق المغاربة مناقشته
عبد الله الستوكي (قيدوم الصحافيين) في آخر خروج إعلامي جرئ ونادر قبل وفاته:
كان الحسن الثاني ضد الكاركاتير وما دام الملك هو منفذ السياسات فمن حق المغاربة مناقشته
لم تكن هذه الدردشة كافية لاستعادة الكثير من الأحداث والوقائع مع قيدوم الصحافيين المغاربة عبدالله الستوكي، فتجربته في الميدان الإعلامي منذ 1959 طويلة، تعاون خلالها مع عدة جرائد كـ"المكافح"، و"الكفاح الوطني"، و"أنفاس" و"لام اليف"... وأسس جرائد أخرى ك"الميثاق الوطني"، "Almaghrib"، و"Maroc Actuel" و"الكشكول"، اشتغل رئيس تحرير لمجموعة من الجرائد، وعمل في وزارة الإعلام والوزارة الأولى، وترأس "الفيدرالية للصحافيين الفرانكفونيين" إلى حدود سنة 2001.
+++++
- تبدو كل جدران مكتبك مغطاة بالكتب؟
يضحك... أخاف أن يحصل لي مثل ما حصر للجاحظ، ربما ستسقط على الكتب يوما فتقتلني.
- لماذا توقفت عن الكتابة الصحفية في "Le Matin"؟
توقفت لأن مجيء صديقنا السعودي الغريب، عثمان لعمير، غير مجموعة من الأمور، إذ لم يعد هناك إطار للتعامل مع هذه المؤسسة، وهذا الغريب جلب غريبا آخر متقاعدا من Le Figaro مقابل ملايين ليتحكم في الصحافيين. كنت اعتبر أننا حصلنا على الاستقلال في العمل الصحافي، فإذا به بعد 50 سنة، ياتيني سعودي ليسير أكبر مؤسسة صحفية في المغرب، ويجلب معه غريبا آخر، وحتى في ميدي 1 لا ننسى أن هناك شخصا آخر ماضيه سيء ويدعى "بيير كازالتا" يقوم بتسيير هذه المؤسسة. لا أعرف كيف للقصر الملكي أن يكون مسؤولا عن مثل هذا التغيير ويعطي الأمور للأجانب، سواء كانوا عربا أم لا، والمغاربة يتفرجون.
- هل تتذكر الخلاف الذي وقع بينك وبين أحمد عصمان حول التسيير المالي الجريدة الميثاق الوطني وAlmaghrib"؟
لقد كان ذلك بفضل بعض أصدقاء السوء، الذين أخبروا أحمد عصمان بأني أبذر النقود يمينا وشمالا. ولما استدعاني ليستفسرني، أخبرته بأنني متعاقد مع الصحافيين على أجور محترمة، لأن مهمة الصحافي تشبه مهمة مدير الديوان، ويتحمل الكثير من المسؤولية، ولا يمكن أن نجعله مثل صحافي في جريدة حزبية يتقاضى الفتات وينتج الرداءة، والجانب المالي يساهم في إنتاجية جيدة.
- من الذي كان مسؤولا عن رقابة الصحف لما كنت مسؤولا في ديوان وزير الإعلام السابق (الطيبي بنهيمة) ما بين 1974 و1976؟
قبل مرور المرحوم أحمد الطيبي بنهيمة بوزارة الإعلام، كانت الرقابة موجودة. وأصل ممارسة هذه الرقابة التي أحدثت أوائل الستينيات، هو وزارة الداخلية، خصوصا في العهد الأوفقيري عن طريق الإدارة العامة للأمن الوطني. الرقابة أعطيت لوزارة الإعلام في هذه الفترة لتقتسما مع الإدارة العامة للأمن الوطني. لما وصل الطيبي بنهيمة للوزارة، تم وضع قسم خاص مكلف بالرقابة، يسمى تخفيفا، بقسم القراءة. الديوان لم يكن مكلفا بهذا الأمر، والكل يعرف بأن أحد الزملاء، وقد توفي الآن، هو الذي كان مسؤولا لسنوات عن الرقابة تحت امرة الوزير شخصيا ولا داعي لذكر اسمه. أنا لم أكن يوما مسؤولا عن الرقابة وكانت مفروضة على جميع الصحف والمجلات المغربية باستثناء "Le Matin"، "ماروك سوار" وجريدة "الأنباء". ومن القرارات المهمة التي اتخذت في أواخر عهد بنهيمة إلغاء الرقابة المسبقة على الصحف، وظلت الرقابة مستمرة على الصحافة الأجنبية، لكن مع عهد التناوب وما يسمى بالعهد الجديد تقلصت هذه الرقابة بشكل كبير.
- لكن الرقابة مازالت مفروضة على العديد من الكتب؟
أولا الكتب التي منعت بقرار إداري كثيرة، ووزارة الاتصال هي المسؤولة عن الكتاب، عكس ما يظن أن وزارة الثقافة هي المسؤولة. ومن أول هذه الكتب: الإيديولوجيا العربية المعاصر "لعبد الله العروي"، "الخبز الحافي" لمحمد شكري... واليوم نسمع بمنع كتب إسلامية بحجة أنها منافية لاحترام المذهب المالكي. هذه الرقابة غير مقبولة ومنافية للحرية، والبرلمان هنا يجب أن يلعب دورا مهما والنواب والمستشارون يتحملون مسؤولية جسيمة، وعلى العموم، ليس المغرب وحدة في العالم العربي من يقوم بهذه الممارسات سيئة الذكر.
- كيف كنت ترسم الحدود بين الممارسة الصحفية والحقل السياسي، ألم يكن ذلك صعبا؟
لم يكن ذلك صعبا. أنا خرجت من الحزب الشيوعي المغربي، الذي كان محظورا، ومن بعد ذلك لم أدخل إلى أي حزب سياسي حتى الآن. نشاطي في الحقل الصحفي من خلال تأسيسي لمجموعة من الجرائد، كان الهدف منه هو العمل داخل إطار حرفي محض، ولم أتدخل قط في مسائل خاصة بالحزب. أما ميولاتي منذ أواخر الخمسينيات، فلقد كانت يسارية ولم أكن متياسرا (gauchiste). أفكاري يسارية وأساند التقديمية والديمقراطية.
أنا أعتبر أن النظام اللائق للمغرب حاليا هو نظام الملكية الدستورية، التي تتوجه نحو الديمقراطية البرلمانية، هذا يعني أنه لا مفر للحكومة من أن تكون مسؤولة أمام البرلمان، ولابد لهذه الحكومة أن تكون منبثقة من أغلبية برلمانية، مع ضرورة دسترة هذه الأمور.
- وهل الملكية مستعدة لأن تتخلى عن سلطتها وتتحول إلى ملكية برلمانية؟
في 1956 عندما عاد محمد الخامس إلى المغرب، كان يسمى السلطان، وقبل أن يكون هناك دستور سمى نفسه ملكا سنة 1957، وهذا كان تحولا مهما. وجاء الحسن الثاني خلفا له، ووضع دستورا مغربيا لأول مرة، رغم القيل والقال، وتخلى فيه عن مجموعة من الأمور كإعلان الحرب وميزانية الدولة. فالملكية تطور نفسها بنفسها، وحتى محمد السادس غير كثيرا من صورة الملكية العلوية تطورت، والحوار الدائم بين الأمة والملكية سيفضي بنا إلى تغيير أكبر. على الملكية تاريخيا أن تتطور والملك الحالي يرغب في عصرنة الملكية والتخلص من النمط التقليدي، حسب رأيي.
- وزارة الإعلام أو الاتصال في الممارسات الديمقراطية الفعلية غير موجودة، وتعوضها هيئات مستقلة، لكن المغرب مازال يحتفظ بهذه الوزارة. كيف تعلق على ذلك؟
أنا اتفق معك، وأقول إنه لا ضرورة لوزارة اتصال أو إعلام في بلد ديمقراطي.
- لكن البعض يقول إن الدولة تتحكم بشكل غير مباشر في التلفزيون عن طريق المجلس الذي يعرف الجميع كيف تشكل؟
نحن نتبع في ذلك النمط الفرنسي، المهم أن تكون هناك مراقبة صارمة تضمن شفافية التعيينات والتمويل، يجب أن نكون حريصين على ألا تكون هناك تجاوزات، لأن طبيعة الحكومة والإدارة هي الميول إلى الاستحواذ على جميع الأشياء، والمجتمع المدني والقوى الديمقراطية هي من يضمن عدم حدوث مثل هذه الانزلاقات، وبعد خمس سنوات يمكننا تقييم التجربة.
- بعض المسؤولين اشتكوا إلى الملك ما تكتبه الصحافة المستقلة وأعلنوا عن تذمرهم، كيف ترى هذا التصرف؟
لقد قرأت ذلك، وما أعجبني هو رد الملك، الذي قال، خلال طرح هذه النقطة في الاجتماع الوزاري بحضور المسؤولين، إنها لم تكن مدرجة في جدول الأعمال. هذا موقف يكشف أن محمد السادس غير ميال إلى القمع والرقابة.
- كيف كانت تجربتك مع مجلتي "أنفاس و"لام اليف"؟
أولا "أنفاس" كمجلة كان يصنعها عبد اللطيف اللعبي وزوجته جوسيلين من ألفها إلى يائها ولم تكن هناك هيئة تحرير. لكن لما اندمج اللعبي في حزب التحرر والاشتراكية (PLS)، تغيرت أنفاس وصارت نوعا ما منبرا يساريا للطاقات الفكرية والسياسية. في هذه الفترة برز أبراهام السرفاتي – الوالي مصطفى السيد – بنسالم حميش – الطاهر بنجلون... ككتاب داخلها، هنا توسعت دائرة أنفاس وتسيست بكل ما في الكلمة من معنى... لكن القمع أنهى التجربة بطريقة قاسية.
أما "لام أليف" فقد صدرت شهريا وبانتظام من 1966 إلى 1991 تقريبا، وكانت علاقتي وثيقة بأحمد غلام مديرها، وزوجته زكية داوود. هذه التجربة عكس "أنفاس" كانت مهنية، وتدبيرها المؤسسة كان عقلانيا من الناحية المادية والإدارية، وهذا ما جعلها تستمر كل هذه المدة.
- كيف تنظر إلى الصحافة المستقلة؟
يجب أن ندافع عن الحرية، ولا يليق لديمقراطية ناشئة كالمغرب أن تضع أمام أعينها خطوطا حمراء، وهنا استغرب كيف بعث المسؤول عن التشريفات والأوسمة برسالة تحذير لجريدتكم، التي قامت بعمل مهني يحترم العائلة الملكية وليس فيه تطاول، بل فيه احترام وتقدير للجانب الإيجابي.
- البعض يقول إن هذه الدوائر تخاف من النقد والجرأة، خصوصا ما يتعلق بالمؤسسة الملكية؟
كانت بعض الصحف خلال نهاية الخمسينيات، كالمحرر والراي العام و"لافونغارد" بالفرنسية، تكتب أشياء قد يخاف منها الناس اليوم، وكانت أكثر جرأة وأدت إلى انعطاف سلبي في الممارسة السياسية، حتى أن الحسن الثاني كان ضد الكاريكاتير في الصحف.
اليوم يجب أن ننوه بجرأة الصحافيين الجدد ونحترم شجاعتهم الأدبية، وبما أن الملك هو المنفذ الأول للسياسات، فمن حق المغاربة أن يناقشوا قراراته باحترام.
- ألا تفكر -بعد تراكم التجربة- في كتابة مذكراتك الإعلامية؟
أعتقد أن مذكرات الستوكي ليست ذات أهمية كبيرة.
الجريدة الأولى 2005
أعدها للنشر: حاتم قسيمي
++++++++++++++++
لا أحد يملك حق إعطاء الصحافي الدروس وأنا غير متفق مع الخطوط الحمراء والملك الحالي يرغب في عصرنة الملكية والتخلص من النمط التقليدي







