"التاريخوفوبيا" وشخص الملك له دوره الأساسي في حسم وجهة التاريخ
"التاريخوفوبيا" وشخص الملك له دوره الأساسي في حسم وجهة التاريخ
تحت عنوان: "التاريخوفوبيا"، كتب الصحافي، نور الدين مفتاح، "الأيام"، 29يناير2006، أن شخص الملك له دوره الأساسي في حسم وجهة التاريخ، وأن هناك نوع من "الناريخوفوبيا" التي تصيب الطبقة السياسية برمتها، وهذا الخوف المرضي من التاريخ لم ينته مع انتهاء سنوات الاحتقان السياسي".
لا بد أن يعترف المرء أولا أن مذكرات الراحل عبد الرحيم بوعبيد، وإن نشرت بشكل متأخر، قد شكلت حدثا ملفتا الأسبوع المنصرم، وهذا لأسباب بديهية منها وزن الرجل في التاريخ السياسي للمغرب الحديث، ومنها مضمون ما نشر، والذي لا يعطي فقط مفاتيح لفهم ما جرى في الماضي، ولكن ينبه الغافلين إلى ما يجري اليوم وما يحبك للمستقبل.
وأعتقد أنه لا يجب أن نمر، لا مرور الكرام ولا مرور اللئام، على هذا التأخير في إخراج النزر اليسير مما عاشه رجل ساهم في صنع جزء من المغرب الحديث، بل يجب أن نقف متأملين لهذا الخوف الذي يركب كل الذين انخرطوا في منعرجات السياسة ببلادنا من التدوين والتوثيق والنشر، فهناك نوع من "الناريخوفوبيا" التي تصيب الطبقة السياسية برمتها، وهذا الخوف المرضي من التاريخ لم ينته مع انتهاء سنوات الاحتقان السياسي، ولكنه للأسف مستمر حتى الآن، ولاشيء ينبيء بأننا سنتعافى منه في المنظور القريب. ولا غرابة إذن أن نرى أنه في بداية الألفية الثالثة منعت جريدة فقط لأنها أوردت وثيقة تاريخية للراحل الفقيه البصري، كما لا نستغرب إذا وجدنا من وقف أو سيقف أمام المحكمة من أجل نشره لروايات تاريخية اعتبرت مزعجة.
إن أمر تحليل "التاريخوفوبيا" يبقى أعقد مما عرضنا هنا بنوع من التجزيء، فالإنكباب عليها بشكل أعمق قد يفيدنا في أن يصبح للأجيال القادمة تاريخ مغربي حقيقي، بدل أن يكون عندنا اليوم شبه تاريخ مليء بالثقوب ومحاولات الرتق، أي تاريخ في جزء لايستهان به مشوه.
والملتبس في هذه القضية أيضا هو أن المشكل لم يكن مع المعنيين مباشرة الذين استنكفوا عن كتابة رواياتهم لما عاشوه، ولكن مع "ورثتهم" أيضا، فما جرى مع محمد لومة الذي حاول نشر مذكرات عبد الله ابراهيم بعد أن كان سجل معه عشرات الساعات من رد عنيف من عائلة الرئيس الراحل دال، وما جرى مع مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد أيضا دال على أساس أن التاريخ ما يزال عندنا ملكية شخصية أسرية، وليست حتى تنظيمية، وهي محكومة بذات الفزع من تعميم التاريخ. ولهذا كان علينا أن نطلع على ما كتبه عبد الرحيم بوعبيد 14 سنة بعد رحيله.
إن ما رواه الراحل بدى شاسعا جدا على الرغم من أنه من حيث الحجم قليل. وهذا هو قانون الندرة، وشساعته تعطيه قوة للتنوع في استخلاص الدروس، وقد بدا لي أن الخلاصة الأساسية المؤلمة هي أننا ما زلنا نعيش على ذات المشكلات التي واجهها المغاربة قبل خمسين سنة، وإن تغيرت بعض الآليات التي تصبو اليوم لحل ما كان يجب أن يكون محلولا مع بداية الاستقلال.
إن المحور في ما نشر للراحل عبد الرحيم بوعبيد كان هو الملكية. من خلال تفاصيل منتقاة بذكاء، وأجزاء من حوارات ومساجلات، يبين عبد الرحيم بوعبيد كيف أن شخص الملك له دوره الأساسي في حسم وجهة التاريخ، بمعنى أن القضية لم تكن في شكل الحكم فقط، ولكن في رؤيا وتوجهات وأسلوب الملك. ويكاد الراحل يقول إنه لولا الموت المفاجئ لمحمد الخامس لكانت الأمور غير ما هي عليه الآن، ومن هنا يتفرع إلى موضوع هو جزء من العيش السياسي إلى اليوم، وقد نسميه الحل الثوري مقابل الحل الإصلاحي، أو ركوب القوة مقابل التوافق، ولا يتردد بوعبيد في الإفصاح عن اختلافه مع المهدي بنبركة في هذا الشأن، ويدعم نظراته التوافقية بالواقع السوسيو-سياسي للمغرب والذي يجعل من الملكية القوة الأولى في البلاد بدون منازع.
كان علينا أن ننتظر كل هذا الوقت ليعود الإخوان والرفاق إلى الأرض، ويعتنقوا التوافق مع المؤسسة الملكية كعقيدة، وربما بشروط أقل مما كان متاحا في الستينيات، اللهم في نقطة شخص الملك المحورية والتي قد تكون بمثابة العنصر الإيجابي بالمقارنة مع ما جرى مع اعتلاء الحسن الثاني للعرش كما حكى ذلك عبد الرحيم بوعبيد.
هناك نقطة أخرى محورية تتعلق بالنخب. فإذا كان طبيعيا أن تحف الملكية نفسها بمن سيدفع عنها من شتات قادم في جزء منه من خدمة نظام الحماية، وفي جزء آخر خارجي لخدمة مصالحه الشخصية أو الطبقية، كما جاء في المذكرات، فإن غير الطبيعي أن يستنزف من كانوا في نفس الخندق أنفسهم بأنفسهم بشكل رهيب، فإذا كانت الثورة تأكل أبناءها كما يقال، فإن الإخوان أكلوا بعضهم بدون ثورة، ولنا أن نتصور ن هذا المسلسل قد استمر كل هذه السنين مع كل الخسارات والكوارث والرزايا التي لم تلحق اللاعبين فقط، ولكن أدى ثمنها ويؤديه كل المغاربة إلى الآن.
ومن سوء الحظ أن كل الأشكال البشرية التي تحدث عنها بوعبيد يمكن أن تجد لها شبيها في مغرب اليوم، ولكن من حسن الحظ أن هامش المناورة بالنسبة للجميع أصبح أضيق من أن نعيد حكاية الماضي، فما جرى في المجتمع الذي أدى وحده ثمن المواجهات، جعل من الصعب على كل الأطراف أن نواصل على نفس النهج. إن هناك قنابل موقوتة وسط مجتمع منكوب، وهذه حقيقة لا يمكن أن نحجبها ولو غنينا ألف أغنية عن خطاب التيئيس، ولذلك، يعتبر كل تلكؤ في الإصلاحات السياسية التي تنتظر منذ حكومة عبد الله ابراهيم هدرا لمزيد من الوقت، ويعتبر ترهل جزء كبير من النخبة بمثابة صب للزيت على النار، ومن لا يستطيع أن يصلح بيده أشياء لا تتطلب إلا القرارات الحاسمة، لا يمكن أن ينجح في الوصول إلى الإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي، ولعمري إنه لأعقد.
لقد قضى محمد الخامس، وقضى الحسن الثاني، وقضى عبد الرحيم بوعبيد، وقضى علال الفاسي، وقضى بلحسن الوزاني... والمغرب ينتظر الفرج، فهل القادم أحلى..؟ (نور الدين مفتاح، "الأيام"، 29يناير2006).
إعداد: حاتم قسيمي







